أخر الأخبار:

This album doesn't contain any items

الحزب الجمهوري تأسس في أفريل 2012 كنتيجة لعملية انصهار وتوحيد بين مكونات تتمثل في الحزب الديموقراطي التقدمي ومجموعة من الأحزاب التي ظهرت بعد الثورة ومنها آفاق والجمهوري الأول،

بالإضافة إلى شخصيات وطنية غير حزبية، وقد كان هناك توافق على أن الأحزاب الجديدة والكفاءات التي اندمجت مع التقدمي ضمن الحزب الجديد تتبنّى الموروث النضالي السياسي والفكري والتنظيمي للحزب الديموقراطي التقدمي والذي ارتضت العمل معه والارتباط به دون غيره من الأحزاب اعتبارا لماضيه النضالي والرصيد الذي راكمه منذ مرحلة الحزب الأصل، الحزب الجدّ أي التجمّع الاشتراكي التقدمي. وعليه يمكن القول أن الحزب الجمهوري يمثل الحلقة أو المرحلة الثالثة ضمن مسار نضال وبناء بدأ بتجربة طريفة في الحركة الديموقراطية والتقدمية التونسية مع تكوين التجمّع الاشتراكي التقدمي R.S.P. سنة 1983 ، ثم الدخول في تجربة ومرحلة ثانية سنة 2001 مع تكوين الحزب الديموقراطي التقدمي P.D.P. ، وأخيرا تكوين الحزب الجمهوري. وما سأحاول القيام به هو التوقف عند المحطات الرئيسية لهذا المسار الذي له من العمر ثلاثون سنة والإشارة إلى الروافد الفكرية والسياسية والى السياقات والدوافع الأساسية التي تقع وراء المنعطفات والتطوّرات التي نشهدها، وسأعتمد في هذا العرض الوثائق الأساسية للمنعطفات الثلاثة.

أولا: مرحلة التجمّع الاشتراكي التقدمي R.S.P.

كانت تجربة تأسيس التجمّع الاشتراكي التقدمي (الذي تمّ الإعلان عنه في ديسمبر 1983) جوابا على أمرين: أولهما غياب اليسار عن الساحة السياسية في أول انتخابات تعددية تشهدها تونس منذ الخمسينات (وهي انتخابات 1981) ، وكذلك حالة التشرذم التي بقي عليها. وثانيهما موقف نقدي من تجارب اليسار الشيوعي العالمي وتجارب البناء الاشتراكي والفكر الذي حكمها.

ومن هنا كان الهدف المركزي والمخصوص للنواة المؤسسة هو العمل على تجميع قوى اليسار، وقد أتت تلك النواة بشكل رئيس من مناضلين آتين من تنظيم العامل التونسي المنحدر بدوره من مجموعة آفاق الاشتراكية (وآفاق Perspectives هي المجلة التي كان يصدرها GEAST : فريق الدراسات والعمل الاشتراكي ) التي نشطت في الستينات وانضمت إليها عناصر آتية من حزب البعث ، كما ضمت عناصر آتية من "الحقيقة" وعناصر ليس لها ماض تنظيمي.

1)-الفكر الموجّه (أو الأرضية الفكرية – الإيديولوجية)

هو "الفكر الاشتراكي العمّالي العالمي" ومعناه آنذاك الفكر الماركسي. لكن الفكر الماركسي بتأويله اللينيني والذي وجّه الأحزاب الشيوعية وتجارب البناء الاشتراكي لم يعد المرجع الوحيد. صحيح أنه تمّ الإبقاء على مبدأ وهدف ماركسي أساسي وهو ضرورة إرساء ملكية المنتجين، أي الكادحين وضرورة تسييرهم لوسائل الإنتاج وكذلك الدور القيادي للطبقة العاملة ولكن هناك عنصرا جديدا ميّز التجمّع الاشتراكي عن بقية أقصى اليسار وهو التنصيص على أن المجتمع الاشتراكي والنظام الاشتراكي المطلوب ينبغي أن يكون ديمقراطيا وأن يقوم على حرية الاختيار، واشتراط أن يستند النظام الاجتماعي الاشتراكي إلى نظام سياسي ديمقراطي يصون الحريات الفردية والعامة.

وهذا هو الدرس الأول الذي خرج به مؤسسو الحزب من تجربة الحركة الشيوعية وتجارب البناء الاشتراكي وهو مثلما ورد في شرح الأسباب الذي أوردته شخصيا في مقال بمجلة "الموقف" سنة 1984 أن لا اشتراكية بدون ديمقراطية ولا اشتراكية مع هيمنة البيروقراطية ولا دكتاتورية باسم القيادة المزعومة والوهمية للطبقة العاملة.

رغم الروح الثورية والجذرية التي طبعت لحظة الانطلاق فقد حصل تحوّل في غاية الأهمية بالمقارنة مع المنظومة الماركسية اللينينية وهو اعتبار الحرية وحقوق الإنسان شرطا لازما لإرساء العدالة الاجتماعية. كانت لحظة تحرّر من العقيدة المنغلقة والجامدة وسعي للتقريب أو التوفيق بين منظومات فكرية ومشاريع مجتمع اعتبرها الكثيرون متنافرة وهي الاشتراكية والديموقراطية التعددية.

2)-إلى جانب الربط بين الاشتراكية والديموقراطية أكد التجمّع الاشتراكي التقدمي على البعد الوحدوي العربي لنضاله مع الاندراج في مقاربة جديدة لموضوع الوحدة العربية. فلم يعد الأمر يتعلق باستعجال الوحدة السياسية الاندماجية بل أصبح هناك هاجس بناء الوحدة على أساس المصالح والاندماج الاقتصادي أو التكامل كمدخل للوحدة السياسية. وطبعا احتلت القضية الفلسطينية مكانة محورية في هذا البعد العربي.

3)-المهام الانتقالية

طرح التجمّع الاشتراكي التقدمي الاشتراكية كهدف بعيد يتمّ بلوغه عبر مرحلة انتقالية ذات محتوى وطني ديمقراطي. وهذه الأطروحة معروفة منذ الأممية الشيوعية الثالثة بالنسبة للبلدان المستعمرة وشبه المستعمرة. وقد تمّ في هذا الإطار الاحتفاظ بمقترح الإصلاح الزراعي لفائدة الفلاحين الفقراء وبالمقابل نلاحظ تجديدا في مسألتين:

أ)-اعتبار أن المبدأ الذي يحكم الاقتصاد في هذه المرحلة الانتقالية هو تعايش القطاعات الثلاث أي القطاع العام الاشتراكي، بوصفه محرّك التنمية، والقطاع الخاص المدعو للعب دور كبير مع قطاع تعاوني حر ومستقل عن الدولة وهو درس من تجارب البناء الاشتراكي وأيضا من تجربة التعاضد التونسية القسرية.

ب)-إدراج النقطة المتعلقة بالدفاع عن حقوق المرأة والعمل على إلغاء كل تمييز في القانون.

ج)-هذا طبعا إلى جانب التأكيد على العلاقة ما بين إصلاح الهياكل الاقتصادية والاجتماعية وإصلاح النظام السياسي والمطالبة بنظام ديمقراطي تعددي. وهذا الدرس الذي توصل إليه الفريق المؤسس في 1983 برهن على صحته انهيار المعسكر الاشتراكي في السنوات التي تلت تكوين التجمّع فأثبت صحة تقييمنا ولكنه مع الأسف لم يكن كافيا لدفع فصائل أقصى اليسار لمراجعة مقولاتها فحافظت على جمودها العقائدي وتشتتها إلى طوائف إيديولوجية.

ثانيا: من التجمّع الاشتراكي إلى الحزب الديموقراطي التقدمي :

هكذا وفيما بين 1983 و 2000 كان التجمّع الاشتراكي في مقدمة النضالات من أجل تكريس التعددية وتوسيع مساحة الديموقراطية وجعل من دوريته "الموقف" منبرا للقوى التقدمية وللدفاع عن قضية فلسطين والقضايا العربية الأخرى . وإن لم يتمكن من تحقيق هدف تجميع فصائل اليسار بسبب عدم النضج السياسي والجمود الفكري والزعاماتية وانحرافات أخرى منها النزعة الاستقلالية المفرطة والاحتماء وراء أو داخل هياكل إتحاد الشغل والجمعيات على غرار رابطة حقوق الإنسان.

رغم ذلك شق التجمّع الاشتراكي التقدمي طريقا مميّزة واتخذ مواقف حاسمة مهدت للحزب الديموقراطي وأهم هذه الخطوات :

1-إدماج مرجعية حقوق الإنسان والديموقراطية السياسية الليبرالية كمكوّن أساسي في مشروعنا.

2-تهذيب القناعة الاشتراكية بالتحوّل من المشروع الشيوعي إلى اشتراكية معتدلة أو اشتراكية ديمقراطية. وكذلك التأكيد على النجاعة الاقتصادية وعلى دور المبادرة الخاصة في تجاوز المعوقات البيروقراطية مع الاحتفاظ بمكانة هامة للدولة وللبعد الاجتماعي. وقد ظهر ذلك في لوائح المؤتمر الثالث للتجمّع الاشتراكي التقدمي الذي تحوّل في جوان 2000 إلى الحزب الديموقراطي التقدمي PDP .

3-بخصوص الموقف من الموروث الديني والحركات السياسية الدينية:

اعتبر التجمّع الاشتراكي أن المطلوب هو طرح المشروع التقدمي من دون توتّر أو قطيعة مع الموروث الثقافي ومن ضمنه الموروث الديني الإسلامي لشعبنا باعتباره أحد المكونات الأساسية للشخصية الوطنية والقومية.

لقد رفض التجمّع الاشتراكي الاضطهاد والتمييز الديني والجنسي وناهض مشاريع تأسيس الدولة على مطاردة حرية الفكر والمعتقد والاستبداد باسم الدين، ولكنه قطع مع اللائكية المكافحة المرتبطة بالعقيدة الشيوعية وانخرط في نوع من العلمانية المتصالحة مع الإسلام.

وهكذا اتجه الحزب مع اقتراب سنة 2000 إلى أن يكون حزبا سياسيا لا إيديولوجيا وأن يكون الانتماء له بناءا على البرنامج السياسي مع ترك المجال واسعا لتنوّع المرجعيات الفكرية وتفاعلها بما في ذلك الاشتراكية والقومية والإسلامية المستنيرة والليبرالية، وهو ما يفسّر تشكّل الحزب الديموقراطي التقدمي (جوان 2001) من المجموعة الأصلية مضافا إليها مجموعة الإسلاميين التقدميين وجزء من الكتلة (ما يعرف الآن بالحزب الاشتراكي اليساري). هذا الأخير سرعان ما غادر لأنه لم يهضم المبدأ الذي قام عليه الحزب الديموقراطي التقدمي. كما غادرت مجموعة الإسلاميين التقدميين سنة 2009 لأسباب تتعلق بالسياسة وإدارة العلاقات داخل الحزب وليس لأسباب تتصل بالفكر.

المرحلة الثالثة: الثورة، انتخابات اكتوبر2011 وتكوين الحزب الجمهوري ( 9 أفريل 2012).

يمكن باختصار إبراز النقاط التالية والتي ورد معظمها في خطاب الأمينة العامة في افتتاح المؤتمر التوحيدي الذي انبثق عنه الحزب الجمهوري:

* أن ثورة الحرية والكرامة كانت ثورة عفوية لكن نضالات أجيال متعاقبة مهدّت لها وألهمت روح الشباب الذي أوقدها.

* أن الحزب الديموقراطي التقدمي لعب فيها (وفيما هيأ لها من نضالات طيلة المراحل السابقة) دورا بارزا وذلك بمعارضة سياسة الكل الأمني والإدانة المستمرة لتعمّق الهوّة بين الجهات والفئات والفساد الذي ينخر أجهزة الدولة. وكذلك بطرحه مشروع دستور لجمهورية ثانية يقوم على المواطنة والتعددية وفصل السلطات والشفافية في التسيير وبمطالبته بالتنمية العادلة.

* أن أخطاء التقدير في التعامل مع الوضع الذي خلفته الثورة سواء لدى الحزب الديموقراطي التقدمي أو في صفوف الحركة الديموقراطية والتقدمية الذي استمر وتكرّس تشرذمها السياسي وظهر قصر نظرها في التعاطي مع الوضع الانتقالي، كل هذا مكّن للتوجّهات الشعبوية بقيادة حركة النهضة التي تنزع إلى الهيمنة والتحكّم في مفاصل الدولة والمجتمع، وأفرز حالة من اختلال موازين القوى تهدد مستقبل الانتقال إلى الديموقراطية.

هذه الاعتبارات أفرزت التقاء بين عدد من الأحزاب مثل الديموقراطي التقدمي وآفاق والجمهوري (الأول) والشخصيات الوطنية والمجموعات الديمقراطية واتفاقها على الانصهار ضمن حزب جديد ديمقراطي اجتماعي (اشتراكي) وسطي.

ويقدّم ميثاق الحزب الجمهوري الصيغة التي تم التوافق عليها للأسس الفكرية والسياسية للحزب ومبادئه وقيمه وخياراته المجتمعية الكبرى والتي توصلت إليها مكوّنات الحزب الآتية من تجارب مختلفة ويتضح منه ما يلي :

-الارتباط بالمشروع الإصلاحي التونسي في تعاطيه الاجتهادي مع الموروث الإسلامي.

-الارتباط بالمشروع الوطني وبمكاسب الدولة الوطنية التي استوعبها المجتمع التونسي فأصبحت جزءا من ثقافته ونمط تنشئة أجياله، وهو ما نعبّر عنه بالنمط المجتمعي الذي يتمسك به أغلب الشعب، والذي علينا السعي لتعميق التوافق الأوسع من حوله.

- تأسيس مشروعنا على مبادئ حقوق الإنسان والمواطن وعلى قيم العدل والاعتدال: العدل بما هو قيمة مركزية في الإسلام وفي الإعلانات العالمية لحقوق الإنسان والمواطن، والاعتدال كرفض للجمود والانغلاق والتطرّف.

- وتجد هذه المبادئ والقيم تكريسها في الخيارات الكبرى والمتعلقة بمحورين :

1.التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية: وذلك بالبحث عن التوازن بين النجاعة الاقتصادية والعدل الاجتماعي، ونشدان التنمية المستدامة. في هذا الإطار نقبل باقتصاد السوق وحرية المبادرة الخاصة لكن مع ترشيدهما ونرى تحمّل الدولة لواجباتها في حماية القطاعات الإستراتيجية والحيوية وفي إرساء العدالة الجبائية وتعميم الحماية الاجتماعية وتطوير الطاقات والموارد البديلة والحفاظ على سلامة البيئة.

2.التكامل بين الذاتية الوطنية والانتماء العربي والإسلامي والانفتاح على الكونية، وكذلك المصالحة بين الموروث الإسلامي العقائدي والتشريعي والأخلاقي وما أضافته الحداثة في مجال حقوق الإنسان والمواطن.

عبداللطيف الهرماسي

ديسمبر 2012